السيد كمال الحيدري

109

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

وهو غاية ما يصل إليه الفكر البشرى ، بل حتى أولئك الذين يدّعون حماية حقوق الإنسان ونحوها ، نجد أنّهم يستفيدون من هذه الشعارات لخدمة مجتمعاتهم وقومياتهم أو الأحزاب التي ينتمون إليها ، وبمجرّد تحقّق مصالحهم فإنّهم يتخلّون عن تلك الشعارات التي رفعوها . إذاً لابدّ أن تكون الجهة الواضعة لقوانين العدل الإلهى نابعة من جهة فوق الفطرة الإنسانية ، وتلك الجهة هي الجهة الإلهية التي اقتضت حكمتها إرسال الأنبياء لإرشاد الناس إلى كمالهم الذي خُلقوا لأجله ، وإقامة العدالة الاجتماعية في الدنيا ؛ وهذه الحقيقة يقرّرها القران الكريم بقوله تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) « 1 » حيث تشير الآية المباركة إلى أنّ اهتمام الأنبياء لم يقتصر على الآخرة وحدها ، بل نجد أنّ الحياة الدنيا من أهداف الأنبياء أيضاً . إذاً العدالة الاجتماعية من ضرورات الحياة البشرية التي أكّدها القرآن الكريم ، وإلى هذا المعنى يشير الطباطبائي بقوله : « إنّ نوع الإنسان مستخدم بالطبع ، وهذا الاستخدام الفطري يؤدّيه إلى الاجتماع المدني وإلى الاختلاف والفساد في جميع شؤون حياته الذي يقضى التكوين والإيجاد برفعه ولا يرتفع إلّا بقوانين تصلح الحياة الاجتماعية برفع الاختلاف عنها ، وهداية الإنسان إلى كماله وسعادته بأحد أمرين : إمّا بفطرته وإمّا بأمر وراءه ، لكنّ الفطرة غير كافية فإنّها هي المؤدّية إلى الاختلاف فكيف ترفعها ؟ فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة والطبيعة ، وهو التفهيم الإلهى غير الطبيعي المسمّى بالنبوّة والوحي » « 2 » .

--> ( 1 ) الحديد : 25 . ( 2 ) الميزان ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 132 131 .